محمد بن جرير الطبري

189

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : ثنا يونس بن بكير ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، قال : ثني محمد بن أبي محمد ، مولى زيد بن ثابت ، قال : ثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود فيهم أبو ياسر بن أخطب ، ورافع بن أبي رافع ، وعازر ، وزيد وخالد ، وأزار بن أبي أزار ، وأشيع ، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل ؟ قال : " أو من بالله وما أنزل إلينا ، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وما أوتي موسى وعيسى ، وما أوتي النبيون من ربهم ، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون " . فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا : لا نؤمن بمن آمن به فأنزل الله فيهم : قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ عطفا بها على " أن " التي في قوله : إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ لأن معنى الكلام : هل تنقمون منا إلا إيماننا بالله وفسقكم . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار : هل أنبئكم يا معشر أهل الكتاب بشر من ثواب ما تنقمون منا من إيماننا بالله ، وما أنزل إلينا من كتاب الله ، وما أنزل من قبلنا من كتبه ؟ غير أن العين لما سكنت ، نقلت حركتها إلى الفاء ، وهي الثاء من " مثوبة " ، فخرجت مخرج مقولة ، ومحورة ، ومضوفة ، كما قال الشاعر : وكنت إذا جاري دعا لمضوفة * أشمر حتى ينصف الساق مئزري وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل : ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ يقول : ثوابا عند الله حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ قال : المثوبة : الثواب ، مثوبة الخير ومثوبة الشر ، وقرأ : مثوبة " شر ثوابا " وأما " من " في قوله : مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ فإنه في موضع خفض ردا على قوله : بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ فكأن تأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك : قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله بمن لعنه الله . ولو قيل هو في موضع رفع لكان صوابا على الاستئناف ، بمعنى : ذلك من لعنه الله ، أو هو من لعنه الله . ولو قيل هو في موضع نصب لم يكن فاسدا ، بمعنى : قل هل أنبئكم من لعنه الله ، فيجعل " أنبئكم " على ما في من واقعا عليه . وأما معنى قوله : مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ فإنه يعني : من أبعده الله وأسحقه من رحمته وغضب عليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ يقول : وغضب عليه ، وجعل منهم المسوخ القردة والخنازير ، غضبا منه عليهم وسخطا ، فعجل لهم الخزي والنكال في الدنيا . وأما سبب مسخ الله من مسخ منهم قردة فقد ذكرنا بعضه فيما مضى من كتابنا هذا ، وسنذكر بقيته إن شاء الله في مكان غير هذا . وأما سبب مسخ الله من مسخ منهم خنازير ، فإنه كان فيما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحاق ، عن عمرو بن كثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري ، قال : حدثت أن المسخ في بني إسرائيل من الخنازير كان أن امرأة من بني إسرائيل كانت في قرية من قرى بني إسرائيل ، وكان فيها ملك بني إسرائيل ، وكانوا قد استجمعوا على الهلكة ، إلا أن تلك المرأة كانت على بقية من الإسلام متمسكة به ، فجعلت تدعو إلى الله حتى إذا اجتمع إليها ناس فتابعوها على أمرها ، قالت لهم : إنه لا بد لكم من أن تجاهدوا عن دين الله وأن تنادوا قومكم بذلك ، فأخرجوا فإني خارجة فخرجت وخرج إليها ذلك الملك في الناس ، فقتل أصحابها جميعا ، وانفلتت من بينهم . قال : ودعت إلى الله حتى تجمع الناس إليها ، حتى إذا رضيت منهم أمرتهم بالخروج ، فخرجوا وخرجت معهم ، وأصيبوا جميعا وانفلتت من بينهم . ثم دعت إلى الله ، حتى إذا اجتمع إليها رجال استجابوا لها ، أمرتهم بالخروج ، فخرجوا وخرجت ، فأصيبوا جميعا ،